عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
41
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
فيتركانه فيصير الفرخ وحده فيخلق اللّه تعالى للنمل جناحا فتطير في الهواء إلى فم ذلك الفرخ . ( قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى ) أخبرني من أثق به أنه صاد سمكة من نهر وفي فمه قطعة جبن فوقعت من فمه في فم السمكة ثم سقطت من يديه في النهر . ( فائدة ) الزاهد الصادق قوته ما وجد ، ولباسه ما ستر ، ومسكنه حيث أدرك ، الدنيا سجنه والقبر مضجعه والخلوة مجلسه والاعتبار فكرته والقرآن حديثه والرب أنيسه والذكر رفيقه والزهد قرينه والحزن شأنه والجوع إدامه والحكمة كلامه والتراب فراشه والتقوى رداؤه والصمت غنيمته والصبر معتمده والتوكل حسبه والعقل دليله والعبادة حرفته والجنة إن شاء اللّه وطنه حكاه في الإحياء عن يحيى بن معاذ رضي اللّه عنه قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الزهد في الدنيا يريح القلب والجسد » ولقد أحسن القائل : أرى الزهاد في روح وراحه * قلوبهم عن الدنيا مراحه إذا أبصرتهم أبصرت قوما * ملوك الأرض سيمتهم سماحه وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ركعتان من رجل زاهد قلبه خير وأحب إلى اللّه من عبادة المتعبدين إلى آخر الدهر » وكان بعضهم يقول : اللهم انزع الدنيا من قلبي ولا تنزعها من يدي . ( فائدة ) تعوذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من جهد البلاء ، قال عمر رضي اللّه عنه : هو قلة المال وكثرة العيال وقال غيره : هو الجار السوء والرسول البطيء والمرأة المخاصمة والسراج الخفي النور وهرة تعوي . ( حكاية ) قال العلائي في قوله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ [ مريم : 29 ] أي في ظاهر الأمر أشارت إلى الولد وفي الباطن إلى الأحد فأنطق اللّه الولد ببراءتها ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كان الحمل والولادة في ساعة واحدة وقيل كعادة النساء وولدته ببيت لحم وقيل بالناصرة قرية من قرى صهيون عند صفورية هذا كلام العلائي رحمه اللّه تعالى فاتهمت اليهود زكريا عليه الصلاة والسلام بالفاحشة مع مريم لأنه كان يدخل عليها فطلبوه فهرب إلى شجرة فانفتحت له فدلهم الشيطان على كمونة فيها فوضعوا المنشار على الشجرة وصاروا ينشرون إلى أن وصلوا جسمه فأوحى اللّه تعالى إليه لئن قلت آه لأمحونك من ديون الأنبياء هلا التجأت إلينا قد وكلناك إلى الشجرة فشقوه نصفين كما فعلوا بشعيب عليه الصلاة والسلام وأمر اللّه تعالى الملائكة فغسلوه وصلوا عليه ودفنوه بسنططية نابلوس . ورأيت في تفسير القرطبي في قوله تعالى : قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [ مريم : 29 ] أي عيسى عليه الصلاة والسلام أقبل عليهم بوجهه وترك الرضاعة واتكأ على يساره وأشار بمسبحته اليمنى وقال : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [ مريم : 30 ] فأول ما نطق بالاعتراف للّه للعبودية آتانِيَ الْكِتابَ [ مريم : 30 ] يعني الإنجيل وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [ مريم : 30 ] أي قضى لي بذلك في الأزل وقيل علمه اللّه الكتاب وأعطاه النبوة في تلك الساعة والأول أصح وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ [ مريم : 31 ] أي إذا أدركني التكليف ، قال القرطبي رضي اللّه عنه : وسمعت أن مريم عليها السلام سمعت قائلا عند ولادتها يقول : اخرج يا من يعبد من دون اللّه عز وجل فعند ذلك قالت : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا [ مريم : 23 ] واعلم أن الماضي يكون بمعنى المستقبل في مواضع من القرآن منها مَنْ كانَ